التداوي بالكتابة والأدب
قد يظن البعض أنني أحببت الكتابة منذ الطفولة لأنها هوايتي المفضلة، أو لأنني كنت أحب حصص التعبير في المدرسة، أو بسبب تخصصي في اللغة والآداب، ولكن كل هذه كانت أعراض لاحقه للسبب الأساسي الذي دفعني للكتابة ثم القراءة وحب الأدب.
لقد بدأت الكتابة بعد أكبر ألم تعرضت له في حياتي كلها، في الصف الأول الإعدادي بعد إجازة الصيف رحل أعز أصدقائي، بل صديقي الوحيد والمفضل وقتها، حين رحل والدي فجأة لم أستطع هضم ذلك الألم المفاجئ وتقبل تلك الفجيعة المؤذية، أن يرحل عني أعز أشخاصي، ذلك الذي لطالما أنصت لكل قصصي الغريبة وغير المترابطة كأنها إذاعة الراديو المفضلة لديه، ويجيب عن كل أسئلتي بلا ملل ويشرب شاي العصر معي، وينظر لي كأنني جائزته وهبة السماء له.
لم أجد بعده متنفس لي، واجتمعت علي كل الصعاب، انتقلت بعيدًا عن أهلي للدراسة، وعام دراسي جديد، وفوقها صعوبات المراهقة وتقلبات مرحلة البلوغ، وشعوري بعدم الانتماء، والأقسى ألمي الذي لم يبصره أحد مثلما كان يلاحظ والديّ مزاجي من نظرة واحدة.
آلمني الفقد، لذا بحثت بلا وعي عن أقرب متنفس تتيحه لي الظروف والبيئة، ووجدت الكتابة هي العزاء الأسهل والمتوفر حينها، لم أتقن الكتابة بالمدرسة لأنها موهبتي وملكة ولدت بها كما كان الأساتذة يقولون، بل أتقنتها لأنها كانت طوق نجاتي. لم أكن أكتب كنت أحاول شفاء ذلك الجرح الذي يثقل صدري، والذي كلما كتبت سقط منه جزء وغادرني.
ولهذا أعرف ما يمكن أن يفعله قلم و ورقة، أعرف ماذا يمكن أن تقدم الكتابة لإنسان يتألم أو يشعر بالثقل والخوف والغضب والوحدة، وبأن لا أحد يفهمه.
أعرف كيف لأشياء صغيرة وبسيطة، أن تنقذ أحدهم وتهبه بعض المواساة وسِعة في صدره.
كنت أكتب قصاصات صغيرة وأمزقها وأرميها، وأبكي على الورق وأشتم العالم، وأعبر عن حبي السري للأشخاص، وأسرد أسئلتي التي لم يعرف أحد بعد والدي إجابات لها لأنها غريبة وغير مقبولة، كنت أفضح العائلة في دفاتري وأسرد محاسنهم، أحكي عن يومي وماذا فعلت فيه، وأعد قوائم بمئة شيء يجعلني أضحك، وعشرة أشياء أكرهها، وعشرين سبب يمنعني من الموت والعبوس، أدون قصائد أحبها وعبارات تشبهني، أسماء أصدقائي وأهم صفاتهم وحتى عيوبهم، أكتب كل شيء وحتى اللاشيء أكتب عنه، كنت أكتب كمن يشعر أنه سيختنق ويموت لو توقف عن الكتابة. كتبت بلا رقابة ذاتية ولا مراعاة للقواعد الإملائية ولا حتى القواعد الاجتماعية، حين أكتب كنت أخرق كل المسموح وأكسر كل القواعد، ربما لهذا كنت أشعر بالراحة والحرية بعد أن أنتهي.
ولأن هذه التجربة أثمرت فيّ لهذا الحد، خاصة في تلك اللحظات التي ظننت أن لا مخرج ليّ وأن ظلمة النفق أبدية، أحببت أن أنقلها لك لعلها تضيء خاطرك، أو تهبك المواساة اللازمة.
أولًا ما هي فوائد الكتابة التي وجدت أثرها في حياتي:
الكتابة حسنت من علاقاتي الشخصية:
"تعتبر الكتابة مرآة اللاواعي" فالكتابة بالنسبة لي تشبة النظر لداخل عقلي، وكأنني أنظر لذاتي كما ننظر للأرض من على متن طائرة كل شيء واضح، هذا الوضوح ينقذنا.
فحين يستبد بي الغضب أوالحزن أو أي شعور ثقيل، كنت أفرغه بطريقة صحية على الورق وبالقلم، وأكتب كل ما بدأ لي حتى الشتائم والنقد، ومن خلال هذا التفريغ أعرف أكثر شعوري العميق الذي دفعني للغضب لذا حين أواجه الشخص لاحقًا أجدني أكثر هدوء وفهم لذاتي وبالتالي أشرح مشاعري بطريقة واضحة دون أن يعميني غضبي، أو ثقل أفكاري.
كما قيل:"كتابة اليوميات تجعلك صاحبًا أفضل لمن حولك" لأنك تعرف من خلالها كيف تكون صديقًا لنفسك قبل أي أحد، فلكما خف توترك، وهدأ عقلك، وتحسنت علاقتك بذاتك انعكس هذا على علاقاتك مع من هم حولك.
التركيز:
لاحظت أنني مع استمراري على الكتابة زاد تركيزي وسرعة بديهتي، واتسع شعور الحِلم والأناة بداخلي.
قدرتي على التعبير:
وجدت أن قدرتي على التعبير صارت أوسع وأجمل، أعرف كيف أصف مشاعري مثلما هي، بلا عناء، لأنني أشعر أن عقلي أكثر صفاء وقادر على توليد الكلمات.
الكتابة كأداة للعلاج بالمعنى:
الكتابة عما تمر به تجعلك تجد معنى له، وتفهم الألم وتلاحظ النور والخير الذي جاء به، وأنه ليس لعنة كما كنت تحسه بداخل عقلك بل رسالة من روحك تخبرك أنك أثقلت ذاتك، تعرف حينها أن الألم رسالة لتغير طريقك أو طريقتك، هكذا يصبح للألم معنى والكتابة هي الدليل عليه.
تنبيه: ليس في الموضوع تمجيد للألم والمعاناة، لكن صنع معنى مما يمر بنا من تعب يجعله أخف بالتأكيد.
الحماية من خطر الكبت المزمن:
ساعدتني الكتابة على صنع مساحة آمنة تحتضن أفكاري التي لا مجال لها لتظهر في حديثي اليومي، ومشاعري العميقة التي لا أعرف كيف أشرحها بالكلام، وبقاءها حبيسة صدري يثقله كيف لا:"والكتابة رحلة روحية؛ إما في التفكير العميق أو في التحدث مع نفسك، وهي تمنحك شعورًا بالبهجة والرضا، وتهبك المزيد من الحرية، وتستأصل خوفك" كما يقول إكسينجان في مقال" الأدب هو ما ينقذنا من الانهيار".
كما أن الدراسات أثبتت أن العلاج بالكتابة وهو أحد أشكال-العلاج التعبيري- يخفف من الشعور الصادم، ويخفف التوتر وبالتالي يحافظ على سلامة الجهاز المناعي، فأنت تعي كم يجلب التوتر المتراكم والمكبوت من أمراض تثقل النفس؛ لتتحول لاحقًا لأعراض جسدية غير معلومة المصدر. قد يبدو هذا الكلام عن الكتابة مبالغًا فيه غير أن الذين مشوا في هذا الطريق قبلنا، يشرحونه لنا بصورة أوضح، ويعرفون أثر هذا الفعل اليومي البسيط والمستمر، منهم أنا.
الآن وقد عرفت فوائد الكتابة وأثرها، سننتقل لأساليبها وهي كالتالي:
الكتابة التعبيرية:
وهي المفضلة عندي والتي مارستها لسنوات طويلة، وهي تتلخص في الكتابة بحرية عن أعمق مشاعرك وأفكارك المتعلقة بالضغوط أو الصدمات والأزمات، والمشكلات اليومية، لا بداية لا نهاية فقط تكتب عن الحدث أو الشعور حتى تنتهي كلماتك.
تدوين اليوميات:
تعتبر من أقدم أشكال المساعدة الذاتية، فاليوميات شكل من أشكال قراءة الذات ووضعها على الورق أمامنا، فلا ندع مجال للأفكار حينها لتفترسنا داخل دماغنا بعيد عن وعينا، وهذا يقلل الضغط.
اليوميات ثاني أفضل نوع من الكتابة عندي، خلالها تكتب تفاصيل أيامك بشكل مستمر، يساعد هذا النوع من الكتابة على تتبع تقدمك العاطفي خلال الأيام، وتحليل أحداث حياتك بصورة أكثر تفصيل، ومعرفة أين يذهب وقتك، فهي تركز على التأمل في يومك، مما يقودك لتحليل مشاعرك بنظرة فاحصة.
الرسائل غير المرسلة:
كتابة رسائل لذاتك، أو لشخص فقدته أو شخص بعيد، أو حتى لأشخاص بينك وبينهم مشكلات أو أزمه، تتحدث عن حزنك غضبك محبتك، تساعد هذا النوع من الكتابة على وضع نهاية للقصص التي حدثت فجأة ولم تحصل على نهاية بالواقع، وتغلق الدوائر التي تستهلك شعورك.
تنبيه: هذا النوع قد لا يناسب الأشخاص الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي أو ضعف التواصل مع الآخرين لأنها تفاقم المشكلة، وتجعلهم يستخدمون الرسائل كأسلوب هرب من الحديث المباشر.
الكتابة الإبداعية:
مثل كتابة الخواطر، والنثر والشعر والقصص القصيرة، فيدمج الخيال بالواقع ليصبح متنفس لمشاعره. وهذا مجال أوسع للمبدعين في الكتابة.
كتابة القوائم:
وهي عبارة عن كتابة قائمة بـ 100 أو 20 مثلًا ممتن له، أو 10 أشياء تجعلك تضحك، أو 5 أشياء مدهشة حصلت لك اليوم وهكذا
استلطف هذا النوع من الكتابة حين يكون مزاجي مثقل؛ لأنها تصفي ذهني وتحفز التفكير الإيجابي بداخلي.
تاليًا بعض الخطوات التي ساعدتني على الكتابة وقد تساعدك:
قبل كل شيء يفضل الإلتزام بالكتابة لما يقل عن أسبوعين أو شهر حتى تقرر هل هي مناسبة لك وترى أثرها الحقيقي.
1- خصص وقت تحبه وتفضله للكتابة يوميًا في مكان هادئ يساعدك على الانسجام ويبعدك عن التشتت.
2- اكتب بلا مبالاة، لا تراعي القواعد ولا صحة النحو والإملاء، أكتب مثل طفل بالصف الأول، لا أحد يراقبك ولا يحكم عليك.
3- اكتب ثلاثة سطور زيادة -بعد اللحظة- التي تشعر فيها أنه لم يعد لديك ما تكتبه أبدًا، لأنك عندما تكسر هذا الحد الفاصل سوف تنهمر الكلمات أكثر وتصل حتى أعمق مشاعرك.
4- لا تراقب ما تكتب ولا تكتم شيء حتى الشتائم والغضب والحزن والمرارة اكتبهم مثلما هم، وإن أردت لاحقًا احرقهم لكن اكتبها.
5- استعن بالأسئلة المفتاحية للكتابة، وهي كثيرة ومتعددة ولكن سأعطيك نموذج مبسط لبعض الأسئلة التي من خلالها تستطيع أن تبدأ الكتابة:
اكتب خمس مواقف جوهرية شعرت أنها جعلتك أنت؟
اكتب عشرة أشياء تثير قلقك مع ذكر السبب؟
ما الذي يجعلك تشعر بالغضب ولماذا؟
ما الذي يثير فيك الحماس والبهجة؟
ما الذي يزعجك اليوم؟
ما هو تعريف الحب والنجاح لديك؟
ما الذي تود أن تغيره في نفسك ولماذا؟
ما هي نقاط قوتك وما هي نقاط ضعفك؟
مع العلم أنك تستطيع خلق أسئلة أكثر تناسبك، هذه مجرد قائمة للمساعدة.
لتبدأ الكتابة لا تحتاج إلا لدفتر وقلم، لا شيء آخر. وبالحديث عن الورقة والقلم سأذكر لك لماذا أفضل الورقة والقلم للكتابة؟
أتذكر سؤال طرح عليّ عن الفرق الذي أراه بين الكتابة وتفريغ الشعور الرقمي عن طريق اللابتوب أو الهاتف، وعن الكتابة بالقلم وعلى الورق، لقد جربت الطريقتين لفترة طويلة، لكن تظل الكتابة بالقلم مختلفة تمامًا، تحريك اليد والضغط على القلم، والتركيز على الحروف له أثر عجيب، كأن عقلي وجسدي وقلبي منسجمين معًا في العملية ذاتها، وهذا الحضور والتركيز بكل الحواس هو السر في نظري كون الكتابة بالقلم وعلى الورق كانت علاج لي.
لاحقًا وجدت إجابة أخرى تدعم الحقيقة التي عايشتها، فقد ترى أن خط اسمك على الورق من أبسط المهام في الكون، لكن في الواقع تشارك في إنجاز هذه المهمة العديد من العوامل، يصفها الدكتور مارك ج. سيفر مختص في الطب الشرعي بأنها:"نتيجة تفاعل معقد لعمليات بدنية وعقلية تتضمن مشاركة بين المناطق المعرفية والحركية والعاطفية، عبر جذع الدماغ والنخاع الشوكي وصولًا إلى يدك"
كما أن الكتابة الإلكترونية تتيح لك الكتابة بسرعة والتصحيح والحذف بسهولة، وهذا ما يجعلها أقل نفعًا في نظري. لأن عمق الكتابة باليد أنها بطيئة أكثر تتيح لك التفكير والتركيز كأنها عملية تأمل. كما أثبتت بعض الدراسات أن الذين يكتبون بالقلم يكتبون المزيد ويكتبون بإبداع أكبر، وبشكل أسرع- سرعة من ناحية توليد المفردات- و بجمل تامة، مقارنة بالذين يستخدمون لوحة المفاتيح للكتابة، أي أن الكتابة باليد تزيد الذكاء، وتحسن سرعة البديهة، والإبداع وتزيد التركيز.
عقبة صغيرة قد تواجهك حال الكتابة:
تذكرت أحدهم قال لي يومًا ما أنه يشعر بالثقل والتعب بعد كتابة مشاعره ويتسأل كيف أجد فيها العزاء؟ وهذا طبيعي تتلخص القصة في أن للكتابة فوائد قريبة المدى وفوائد بعيدة المدى، فعلى المدى القريب يرافق المرء بعد الكتابة وسرد مشاعره وصب ألمه شعور عارم بالضيق أو المزاج السلبي والثقيل، لكن مع الوقت والاستمرار تبدأ الفوائد في الظهور ويخف هذا الشعور بالثقل الذي يرافقنا حين نكتب، وهذا نهج كل شيء جديد نقوم به في الحياة، وكلما كان لديك الكثير مما تكبته زاد شعورك بالثقل والمرض في المراحل الأولى لسكبه على الورق، لكن الفوائد على المدى البعيد مبشرة تتلخص في انخفاض ضغط الدم والتوتر، وتحسن الحالة المزاجية، وانخفاض السلوك التجنبي بعد الأزمات، وتحسن الذاكرة والمزاج. لذا تبدو التأثيرات قصيرة المدى شاقة لكنها حجر الأساس، ولم أعرف قط شخص بدأ الكتابة إلا وعبر من خلال هذه المرحلة الشاقة، فيصف هنري ميللر صاحب مؤلف ”الفن والغضب”:الكتابة بأنها أشبه بفتح خراج داخلي؛ القيح والدم يندفعان، ولكن فتح الجرح ليصبح نظيفًا قابلًا للشفاء، لا ليستمر في التعفن، هكذا تتحول الكتابة لمفتاح للنمو، بالرغم مما يرافقها من ألم ويأس”.
التداوي بالقراءة
أما عن التداوي بالأدب وأخص بالذكر الشِعر والرواية، لأنها النهر الذي رافقني لفترات طويلة من حياتي.
ولا أستطيع قول أن تخصصي في اللغة والآداب هو المؤثر الوحيد لأنني وقبل دخولي الجامعة بسنوات كنت أقرأ القصص ومجلات المراهقين الصغار، وأحب مجالس الشِعر التي كانت هواية مفضلة للغالبية في محيطي،لقد شعرت أن الأدب والشِعر يخلقون مني كائن أكثر طمأنينة وبهجة، ويجاوب على أسئلة روحي بشكل لم أعرف كيف أشرحه.
قرأت في كتاب"التعافي بالأدب" نص يقول:"يداوي المرء أسقامه بالكتب ويروض آلامه بالأدب؛ فيعيد سرد مشاعره ويعرضها من جديد، كي يملك زمامها" هذه الوظيفة الخلاقة للكتب بشكل عام، و للرواية والشعر بشكل خاص، كانت مثل السحر.
فالروائي حين يكتب روايته ينصع له عالمًا خاص به، يلونه بمشاعره وأفكاره ويبنيه بحسب وجهة نظره. وأنت كقارئ أيضًا تصنع لك عالمًا يخصك من خلال ما قرأت وما فهمت مضيفًا له تجاربك الشخصية، ثم إنك قد تؤلف "كتابًا ثالثًا" مازجًا من خلاله جزء من تجربة المؤلف وخياله، وجزء من عالمك أنت، هذه العملية تمنحك قدرًا أكبر على فهم المشاعر ومكنونات ذات الآخر، وبالتالي تهبك فهمًا أوسع لذاتك. فمهما كان الآخر(المؤلف) مختلفًا عنك في التفكير والتجربة تظل المشاعر الإنسانية في جذرها هي ذاتها تواجهنا جميعًا، وتبقى العملية السردية خارطة مساعدة تجعلك تفهم مشاعرك وطريقك، وأعماق ألمك، وجوهر أفراحك بصورة أقرب. "من هنا يصبح الأدب أكثر من مجرد سرد، وتغدو القراءة أكثر من مجرد وسيلة لتزجية الأوقات، وتمسي محاولة مستمرة لإعادة ترميم الذات، وفهم العالم" أحمد الزناتي.
ويقول بيتر ليلاند عن مفهوم العلاج بالقراءة:"الناس يتفاعلون مع الأدب، لا لمجرد الهرب من الواقع، ولا لأغراض أكاديمية، بل لتخفيف وطأة الوجود، والتهوين من الألم الذي تعانيه لمجرد كونك إنسانًا" أي أن ألم الوجود الذي يرافقنا كوننا بشر نعيش على هذه الأرض لا مفر دائم منه، لكننا نداويه، ننظر له بعين جديدة، ومن خلال تجربة إنسان آخر يشرح شعورنا الدفين الذي لطالما عجزنا عن وصفه بالكلمات، ولا عجب أن الشعور الثقيل حين يُفهم ويصاغ في كلمات؛ تخف حدته ويهدأ، وأننا كبشر نشعر بالألفة والطمأنينة حين نجد لألمنا العميق الغير مفسر إنعكاس في نص كتبه أحدهم، لأن هذا يجعلنا نشعر أننا مرئيين، ويخفف عنا ثقل الوجود والشعور.
ومن منافع الروايات والأدب أنه يجعلنا أكثر فهمًا لدواخل البشر التي تغيب عنا، وبالتالي أكثر عطفًا عليهم، أتذكر حين قرأت رواية"شجرتي شجرة البرتقال الرائعة" لم أعد أنظر للأطفال كمخلوقات صغيرة تنسى أكثر مما تتذكر، ولا تؤثر بهم الحياة مثلما تفعل بالبالغين، بل شعرت بعد إنتهاء قرائتي لها أنني أريد أن أحتضن "زيزا" الصغير وأبكي عليه ومعه، ومن تلك اللحظة أخذت أحتضن أختي الصغيرة دون أن تدرك هي السر، ودون أن أشعر أنا ذاتي بذلك التحول.
كما أن قراءة الرواية تخرجنا من العالم الضيق الذي نعيش بداخله في عقولنا، وتنقلنا للنظر خارج أنفسنا، هذا الفعل مع الوقت أراه يحررنا من الأنا التي تظن أنها تعرف كل شيء لدرجة أن ترفض الخروج من زاويتها المألوفة التي تطل منها على الحياة، هذا الخروج من عالمنا الخاص للتجول بعقل وعالم شخص آخر يهبنا القدرة على النظر بتواضع لتجاربنا الصغيرة أمام عِظم الحياة، وتعدد تجاربها، وتشعب قصص الناس فيها. تقول إليوت جورج التي استعانت بقراءة دانتي بعد وفاة زوجها:"الفن هو أقرب شيء للحياة، إنه وسيلة لتوسيع التجربة، ومد جسور التواصل مع الآخرين خارج حدود مصيرنا الشخصي" فنرى حينها أننا لسنا وحدنا، وأن هناك من يفهم أعمق آلامنا.
أما بالنسبة للشِعر-حبيب قلبي- فهو يذكرني بذلك السؤال الذي لطالما رافقني: لماذا يكتب الناس عن الحزن أكثر مما يكتبون عن الفرح؟ تشرح ذلك باختصار لويز دي سالفو في مقالة بعنوان "كيف يغير الأدب حياتنا" مفسرةً ذلك بأننا بوعي أو بدون وعي نكتب عن الألم والحزن كمحاولة للشفاء والإنعتاق منه.
ثم أستنتج لاحقًا أنه ليس بغريب إذًا أن يكون الرثاء أبرز أغراض الشعر استخدامًا، خاصة في العصر الجاهلي، فاعتبره النقاد"أصدق الشِعر" لأنه زاخر بالعاطفة، ومليء بالعمق.
ولا أحد منا تخفى عليه الخنساء، التي بمراثيها المبللة بالدموع جعلت من أخيها صخر مثل "نارٍ على علم" الرثاء وإن كان غرضه الواعي ذكر محاسن الميت، فإن غرضه اللاواعي بشكل قاطع طلب الشفاء وتخفيف حِمل الحزن.
مثلما قال امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرة مهراقة
فهل عند رسم دارس من معول؟
فهو يعترف بأن بكاء حروفه إنما هو طلبًا للشفاء.
ويؤكد على هذا المعنى مجنون ليلى حين قال:
فما أَشرفُ الأيفاع إلا صبابة
ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
أي أنه يتداوى بالشعر وسماعه مما يحسه من لوعة العشق، والشوق.
يعد الشِعر مثل الرواية"أداةً للمعنى والشفاء" فالشاعر حين ينظم قصيدته يفرغ من خلالها شعوره الدفين، ويصوغ ألمهُ على شكل كلمات، ويصنع من الوجع العميق قصة ومعنى، هذا المعنى يخفف ألمه، كما يخفف ألم المتذوق لشِعره، فكم من قصيدة وقعت على جرح نابض بداخلنا لم نعرف قط الطريق له، لكن القصائد فعلت. وكم من بيت شِعر حفظناه كسيرة ذاتية تصفنا حين صعب علينا وصف ذواتنا.
مثلما قال جيمس هولِس:"الإنسان باحثٌ عن المعنى وصانع له" هذا ما يجعل الشاعر يكتب والقارئ يبحث عن كتاب أو قصيدة تسد جوعه هذا، يبحث عن معنى أكبر لألمه وحزنه حتى يخف، ويبحث عن معنى أعمق لفرحه وبهجة قلبه حتى تستمر.
ومن فوائد الشِعر التي رأيت أثرها في حياتي هو ثراء المفردات، وغنى اللغة، ولا يغيب عن أحد أن يدرك بقلبه وعقله أنه كلما اتسعت لغة المرء اتسع عالمه؛ فاللغة ليست مجرد وسيلة اتصال وتواصل بل هي مساحة للشعور، و زاوية من خلالها نختبر الحياة، فحين تضيق اللغة يضيق العالم الذي نختبره ونعيشه ونحسه. والفرق واضح بين من يملك عشرين مفردة لوصف الحزن والفرح وبين من يملك كلمتين، الأول سيرى الحياة بصورة أعمق و أدق وأكثر وفرة وثراء، والثاني ربما لن يتكلم حتى؛ ليس لأنه لا يشعر بل لأنه لا يملك المفردات والمعاني الكافية، فسِعة اللغة تعيننا على الحضور في لب الحياة بدهشة وقلب مفتوح على وسعه، وعقل منتبه، و روح فضولية.
فحين تجد الكلمات الدقيقة لوصف ما بك وما تشعر به أنت تعالج جزءًا كبيرًا منه، فالمرض الذي لا اسم دقيق و واضح له لا علاج له، كيف تعالج ما لا تعرفه.
وأتذكر الآن في كتاب "جسمك يتذكر كل شيء" في أحد فصوله عن التشافي من الصدمات، اقتبس دير كولك عن شكسبير قوله:"امنح الحزن كلمات؛ فالالتياع الذي لا يتكلم يغضن القلب المتفجع ويفطره" والإلتياع هو احتراق القلب من شدة الهم، ويغضن معناها يقطع القلب حسرة.
فدير كولك كطبيب نفسي يحثنا على الكلام والكتابة كعلاج.
نعود للشِعر وأتذكر حين قال مهذل الصقور في لقاءٍ له "القصيدة كائن حي (تعرف طريقها لأهلها) لذا بعض القصائد تبهجنا، وأخرى تشرح وجعنا، وبعضها تجعلنا نتأمل، وكل القصائد تهبنا لغةً جديدة وعينًا أوسع.
فالشِعر والرواية والكتابة علاج لأنها تجعلنا قادرين على التعرف على مشاكلنا، ومصادر قلقنا، وتهبنا اللغة الكافية لنَفهَم ونُفهم، وتهبنا القدرة أيضًا على الإشارة ناحية ما نحب بيسر وسهولة.
وهذه قائمة قصيرة لكتب أعتبرها” وصفة علاجية” للقلب والروح والعقل معًا:
جسمك يتذكر كل شيء
شجاعة أن تكون غير محبوب
حاج كومبوستيلا
عزاءات الفلسفة
السماح بالرحيل
تحدو فتربك ريح نجد
قلق السعي إلى المكانة
ثقب المفتاح لا يرى
متعلق
سر الزعفرانة
ملاحظة صغيرة: لم أذكر في المقال كل الدراسات التي اطلعت عليها عن العلاج بالكتابة والقراءة، تستطيع عزيزي القارئ البحث أكثر عنها بنفسك لفائدة أكبر🤍







الله يرحم والدك، ويغفر له، ويسكنه فسيح جناته مقال رائع جدًا، أجاب عن أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسي،شكرًا لكِ يا أمل🤍
كمجربة للكتابة اتفق معك في كل نقطه